عُمان تراهن على الطباعة ثلاثية الأبعاد لإحداث ثورة في قطاع البناء: ما يعنيه ذلك للمستثمرين ورواد الأعمال
مسقط، ٢٢ ديسمبر/كانون الأول - تتبوأ سلطنة عُمان مكانة رائدة في مجال الابتكار الإنشائي من خلال دمج تقنيات الطباعة ثلاثية الأبعاد في البيئة العمرانية، وذلك عبر التعاون بين الأوساط الأكاديمية والصناعية. فمن الأبحاث الرائدة في مجال المواد بجامعة السلطان قابوس إلى التطبيق العملي للمباني المطبوعة بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد، تستكشف السلطنة كيف يمكن للأتمتة أن تُسهم في خفض التكاليف وتقليل الانبعاثات وتحديث أساليب البناء. وقد أكد الدكتور محمد بلال وارث، الأستاذ المشارك بجامعة السلطان قابوس، خلال منتدى "البناء الأخضر في عُمان"، أن الطباعة ثلاثية الأبعاد للخرسانة تتماشى بشكل وثيق مع أهداف رؤية عُمان ٢٠٤٠ الرامية إلى تعزيز اقتصاد قائم على المعرفة والابتكار.
أوضح الدكتور واريس أن الطباعة ثلاثية الأبعاد للخرسانة، وهي عملية تعتمد على البثق وتتضمن خلطًا دقيقًا وضخًا وترسيبًا، توفر بناءً أسرع، وتقلل من الهدر، وتتيح مرونة معمارية أكبر. ومع ذلك، أشار إلى أن التحدي الأكبر يكمن في سلوك المادة، مما يجعل تصميم مزيج الخرسانة أمرًا بالغ الأهمية. وأضاف: "على عكس الخرسانة التقليدية، يجب أن يفي المزيج القابل للطباعة ثلاثية الأبعاد ليس فقط بمعايير القوة والمتانة، بل أيضًا بمتطلبات سهولة الضخ وأداء البثق".
يركز البحث الذي تقوده جامعة السلطان قابوس على ابتكار خرسانة قابلة للطباعة ثلاثية الأبعاد باستخدام مواد عمانية محلية كالطين والحجر الجيري، مما يدعم الاستدامة ومرونة سلسلة التوريد. عالميًا، تعتمد العديد من أنواع الخرسانة القابلة للطباعة بشكل كبير على الأسمنت البورتلاندي العادي، وهو ما يتعارض مع أهداف البناء المحايد للكربون. وقد سلط الدكتور واريس الضوء على أسمنت الطين المكلس بالحجر الجيري كبديل يقلل الانبعاثات بشكل ملحوظ ويحسن الخصائص الريولوجية والميكانيكية.
قال: "إن وفرة موارد الطين والحجر الجيري في عُمان تجعل الطباعة ثلاثية الأبعاد القائمة على تقنية LC3 خيارًا عمليًا ومفيدًا استراتيجيًا". وقد حدد الفريق معادن طينية رئيسية - الكاولينيت والإيليت والمونتوموريلونيت - المنتشرة في عُمان والمناسبة للطباعة ثلاثية الأبعاد. وباستخدام تقنيات متقدمة مثل مطيافية الأشعة السينية الفلورية (XRF) وحيود الأشعة السينية (XRD)، قاموا برسم خرائط لخصائص المعادن لتحسين تركيبات الخلط.
من أبرز جوانب المشروع حجمه وتفاصيله. فقد قام الفريق بتطوير واختبار 287 خلطة خرسانية، وتقييم قابليتها للطباعة، وخواصها الانسيابية، وأدائها الميكانيكي باستخدام طابعة ثلاثية الأبعاد صغيرة الحجم في جامعة السلطان قابوس. ونظرًا لطبيعة الخرسانة المطبوعة ثلاثية الأبعاد غير المتجانسة، فإن قوتها تختلف باختلاف الاتجاه. وأوضح الدكتور واريس: "قمنا بقياس الخواص الميكانيكية في الاتجاهات الثلاثة جميعها لفهم السلوك الإنشائي فهمًا كاملًا".
بالاستفادة من هذه البيانات الواسعة، ابتكر الباحثون نماذج تعلم آلي حققت دقة تصل إلى 95% في التنبؤ بالقوة وقابلية الطباعة بناءً على التركيب المعدني للطين. وأضاف: "بمعرفة التركيب المعدني لعينات الطين - على سبيل المثال، من الدقم - يستطيع نموذجنا التنبؤ بالأداء قبل الطباعة". كما أجرى الفريق تجارب على مواد معاد تدويرها، مثل أنابيب الكربون النانوية من نفايات المطاط والمحفزات المستهلكة، مما حسّن الخصائص الميكانيكية والحرارية.
على الصعيد الصناعي، تكتسب هذه الابتكارات زخماً متزايداً. وقد أوضح عثمان المنذري، المؤسس المشارك والرئيس التنفيذي لشركة إنوتك، كيف طبقت شركته مبادئ مماثلة عملياً. وقال: "إن استيراد طابعات ثلاثية الأبعاد عالية التقنية سيضاعف التكاليف أو يزيدها ثلاثة أضعاف، مما يقوض جدوى الفكرة". واستجابةً لذلك، صممت إنوتك وأنتجت أول طابعة ثلاثية الأبعاد محلية الصنع في سلطنة عمان مخصصة للبناء، مما خفض تكاليف الآلات بنحو 601 تريليون روبية مقارنةً بالخيارات العالمية.
أفاد المنذري بأن "طابعتنا تعمل منذ ثلاث سنوات في ظل حرارة الصيف الشديدة وأمطار الشتاء، مع مشاكل صيانة أقل بكثير من الآلات المستوردة". وقد سلمت شركة إنوتك أكثر من 14 مبنى مطبوعًا بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد، تشمل مصليات ودورات مياه عامة ومبانٍ تجريبية لشركة تنمية نفط عُمان. وتجري حاليًا أعمال تنفيذ مشاريع أكبر، مثل المساجد والمدارس والمباني التجارية.
رغم أن التكاليف لا تزال أعلى قليلاً من تكاليف البناء التقليدي، إلا أن المنذري لا يزال متفائلاً. يقول: "قبل خمس سنوات، كانت الطباعة ثلاثية الأبعاد ضرباً من الخيال العلمي. ومع استمرار البحث والتطوير واستخدام مواد محلية مثل LC3، أعتقد أنها ستنافس البناء التقليدي قريباً".
تُظهر هذه الجهود الأكاديمية وريادة الأعمال مجتمعة أن الطباعة ثلاثية الأبعاد في سلطنة عمان تتجاوز مرحلة التجريب، وتؤسس لقطاع بناء أكثر استدامة وأتمتة وتجذرًا محليًا.
تحليل خاص من عمانت | تصفح سوق عُمان
التركيز الاستراتيجي لسلطنة عمان على توطين الطباعة ثلاثية الأبعاد للخرسانة باستخدام مواد محلية إن استخدام مواد مثل الطين والحجر الجيري يضع قطاع البناء في طليعة الابتكار المستدام بما يتماشى مع رؤية 2040. وهذا يخلق بالنسبة للشركات والمستثمرين... فرصة مثالية للاستفادة من تقنيات البناء الصديقة للبيئة والمنخفضة التكلفة ودعم المشاريع التقنية المحلية الناشئة التي تقلل الاعتماد على الواردات. ينبغي على رواد الأعمال الأذكياء النظر في إقامة شراكات في مجال البحث والتطوير وتصنيع حلول الطباعة ثلاثية الأبعاد المصممة خصيصًا، حيث أن هذا القطاع مهيأ للنمو السريع وإحداث تغيير جذري في أساليب البناء التقليدية.
