تأثير الحرب على أسواق الغاز الطبيعي: ما يحتاج المستثمرون والشركات إلى معرفته
للوهلة الأولى، يبدو أن الصراع الدائر في إيران يؤثر على قطاعي النفط والغاز على حد سواء، حيث تحدّ الصواريخ وهجمات الطائرات المسيّرة واضطرابات الملاحة البحرية بشدة من تدفقات الغاز عبر مضيق هرمز. إلا أن التدقيق يكشف عن خلل جوهري: فسلسلة إمداد الغاز العالمية أقل مرونة بكثير، وتتمتع بسعة تخزينية أقل بكثير مقارنة بسوق النفط، مما يؤدي إلى آثار أشد وطأة على مستهلكي الغاز.
تُعدّ البنية التحتية الرئيسية للغاز، ولا سيما محطات التسييل، أكثر تعقيدًا وتكلفةً في بنائها وصيانتها من مصافي النفط. ونتيجةً لذلك، غالبًا ما تستأنف مصافي النفط عملياتها بشكل أسرع من مرافق تصدير الغاز الطبيعي المسال بعد انقطاعها. ويتضح هذا الفرق جليًا من خلال تحركات الأسعار، حيث شهدت أسعار الغاز الأوروبية والآسيوية ارتفاعًا حادًا يفوق بكثير أسعار النفط الخام منذ بدء النزاع، مما يشير إلى فترة تعافٍ أطول لقطاع الغاز.
يُعدّ توقيت هذا الاضطراب مؤسفاً للغاية بالنسبة لسوق الغاز. فعلى مدى العقد الماضي، نما الطلب العالمي على الغاز بمعدل يقارب ضعف معدل نمو الطلب على النفط، مدفوعاً بتوسعات واسعة النطاق في شبكات خطوط الأنابيب والتخزين. وكان من المتوقع استمرار هذا النمو، لا سيما مع تحوّل الاقتصادات الناشئة عن الفحم. وقد شكّلت النظرة المتفائلة للطلب على الغاز عاملاً رئيسياً في دفع التوسع المطرد لصناعة الغاز الطبيعي المسال العالمية.
إلا أن الهجمات الإيرانية عطّلت 171 تريليون طن من طاقة قطر التصديرية للغاز الطبيعي المسال، ثاني أكبر مُصدّر للغاز الطبيعي المسال في العالم، مما قد يُؤدي إلى توقفها عن العمل لمدة تصل إلى خمس سنوات. وقد تسبب ذلك في ارتفاع حاد في أسعار الغاز، مُسلطًا الضوء على مخاطر الاعتماد الكبير على الواردات، ومن المرجح أن يُبطئ تطوير مشاريع جديدة لتوليد الطاقة بالغاز.
في الوقت نفسه، بات بإمكان شركات المرافق والمنازل والشركات الوصول إلى مجموعة واسعة من البدائل الميسورة التكلفة لتوليد الكهرباء بالغاز. توفر الألواح الشمسية وأنظمة البطاريات طريقة أسرع وأكثر فعالية من حيث التكلفة لزيادة إمدادات الكهرباء مقارنةً بتطوير محطات غاز جديدة، وهي مشاريع قد تستغرق سنوات حتى تدخل حيز التشغيل. بالإضافة إلى ذلك، ارتفعت أسعار مكونات محطات الغاز الأساسية، وخاصة التوربينات، بشكل كبير نتيجةً لتغيرات في القدرات التصنيعية وزيادة الطلب من الدول الغنية التي توسع مراكز بياناتها.
تُعيد هذه الديناميكيات تشكيل مواقع تطوير طاقة الغاز الجديدة. فقد رفعت الولايات المتحدة، أكبر منتج ومصدر للغاز الطبيعي في العالم، حصتها من طاقة الغاز الجديدة المخطط لها من حوالي 101 تريليون طن في عام 2025 إلى أكثر من 331 تريليون طن في أوائل عام 2026، مدفوعةً إلى حد كبير بالحاجة إلى تشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي. وتتنافس شركات المرافق وشركات التكنولوجيا الأمريكية بشدة على مكونات طاقة الغاز، مما يُضيّق الخناق على الأسواق الأكثر حساسية للأسعار. فعلى سبيل المثال، قلّصت اقتصادات سريعة النمو كالهند، التي كان يُتوقع أن تصبح من كبار مستهلكي الغاز، خططها لتوسيع طاقة الغاز. وبدلاً من ذلك، تواصل الهند إضافة محطات توليد الطاقة بالفحم إلى جانب مصادر الطاقة المتجددة، وتُوسّع قدرتها على تكرير النفط وتصدير الوقود حتى ثلاثينيات القرن الحالي.
يُعدّ تخزين الغاز الطبيعي، مقارنةً بالنفط، تحديًا رئيسيًا آخر. فالنفط الخام والمنتجات المكررة سوائل في درجة حرارة الغرفة، ويمكن تخزينها بسهولة في خزانات برية أو بحرية. في المقابل، يشغل الغاز الطبيعي حيزًا أكبر بكثير، ويجب ضغطه أو تسييله في درجات حرارة منخفضة للغاية لتخزينه بكفاءة، مما يحدّ من مواقع التخزين ويزيد التكاليف بشكل ملحوظ. كما أن الطلب على الغاز موسمي للغاية، إذ يبلغ ذروته في الشتاء وينخفض بشكل حاد خلال المواسم المعتدلة، على عكس الاستهلاك الثابت نسبيًا للوقود المكرر على مدار العام. هذه الموسمية تُعقّد ربحية شركات تخزين الغاز، التي لا يمكنها الاعتماد على دوران ثابت كما هو الحال في تخزين النفط.
باختصار، تأثرت إمدادات النفط والغاز بشدة جراء النزاع، إلا أن النفط مهيأ للتعافي بوتيرة أسرع. ويعمل منتجو النفط في الشرق الأوسط حاليًا على إعادة توجيه الإمدادات عبر خطوط الأنابيب إلى موانئ خارج مضيق هرمز، مما يعزز مرونة إمدادات النفط حتى مع استمرار النزاع. في المقابل، يفتقر سوق الغاز إلى حل سريع لتعويض خسارة الصادرات القطرية، مما يُحدث اضطرابات في سلاسل التوريد ويُسرّع البحث عن بدائل للغاز في توليد الطاقة والصناعة.
حتى لو انتهت الأعمال العدائية سريعًا، فسيكون انتعاش سوق الغاز محدودًا: إذ ستستغرق إعادة بناء البنية التحتية التصديرية لقطر سنوات، ومن غير المرجح أن يعود المشترون الذين بدأوا بتنويع مصادرهم بعيدًا عن الغاز إلى الاعتماد عليه. وبينما ستحافظ بعض الاقتصادات الكبرى، كالولايات المتحدة، على اعتمادها الكبير على الغاز، يُتوقع أن تُقلل الأسواق الأكثر حساسية للتكلفة من اعتمادها عليه، مما سيترك أثرًا دائمًا على قطاع كان يتوسع في ظل افتراضات مختلفة تمامًا.
الآراء الواردة في هذه المقالة هي آراء الكاتب، غافين ماغواير، وهو كاتب عمود في وكالة رويترز.
تحليل خاص من عمانت | تصفح سوق عُمان
يشير اضطراب إمدادات الغاز العالمية نتيجة الصراع الإيراني، ولا سيما الضرر طويل الأمد الذي لحق بقدرة قطر على إنتاج الغاز الطبيعي المسال، إلى تحول حاسم نحو الابتعاد عن الاعتماد على الغاز نحو مصادر طاقة أكثر تنوعًا واستدامة مثل الطاقة الشمسية والبطاريات. وهذا يمثل فرصة للشركات في سلطنة عمان فرصة استراتيجية للاستثمار في الطاقة المتجددة والبنية التحتية للطاقة البديلة مع تباطؤ نمو الطلب العالمي على طاقة توليد الطاقة بالغاز، ينبغي على المستثمرين الأذكياء التركيز على تنويع مصادر الطاقة، وتنمية الموارد المحلية، والتقنيات التي تقلل الاعتماد على واردات الغاز المتقلبة، مما يضع سلطنة عمان في موقع يؤهلها لمستقبل طاقة أكثر استدامة وأماناً.
