مبادرة الإفطار المستدام: كيف يمكن للحد من هدر الطعام خلال شهر رمضان أن يفيد عملك في سلطنة عمان
مع غروب الشمس فوق مسقط، سرعان ما تمتلئ الموائد بالطعام. يتم تبادل التمر، وتقديم الحساء، ووضع أطباق سخية من الأرز واللحوم المشوية والحلويات بوفرة.
في المنازل والفنادق وخيام رمضان الخاصة، يتصدر الكرمُ مظاهرَ الضيافة. إلا أن واقعًا قاسيًا غالبًا ما يتكشف مع نهاية المساء: أطباقٌ نصف مأكولة وأخرى ممتلئة تكشف عن قصةٍ أخرى. في شهرٍ يُركز تقليديًا على ضبط النفس، يبرز السؤال: هل يُمكن لرمضان، شهر التأمل الروحي، أن يُتيح لسلطنة عُمان فرصةً لمعالجة مشكلة هدر الطعام؟
على الصعيد العالمي، بلغ هدر الطعام مستويات مقلقة. ويُقدّر برنامج الأمم المتحدة للبيئة أن 1.05 مليار طن من الطعام أُهدرت في جميع أنحاء العالم عام 2022، أي ما يعادل 191 تريليون طن من الطعام المتاح للاستهلاك. وتتحمل الأسر مسؤولية حوالي 601 تريليون طن من هذا الهدر، أي ما يعادل حوالي 79 كيلوغرامًا للفرد سنويًا.
وبعيداً عن الاعتبارات الأخلاقية، يسلط برنامج الأمم المتحدة للبيئة الضوء أيضاً على أن نفايات الطعام تساهم في انبعاثات غازات الاحتباس الحراري العالمية بنسبة تتراوح بين 8 و101 تريليون طن، ويرجع ذلك أساساً إلى غاز الميثان المنبعث من مكبات النفايات.
في منطقة الخليج، تتزايد أنماط الاستهلاك الغذائي خلال شهر رمضان. وتشير الدراسات إلى أن هدر الطعام قد يرتفع بمقدار يتراوح بين 251 و501 طن متري خلال هذا الشهر الفضيل مقارنةً ببقية فصول السنة. ورغم ندرة البيانات الخاصة بسلطنة عُمان، إلا أن الإحصاءات الوطنية تكشف عن حجم التحدي الأوسع نطاقاً.
وبحسب هيئة إدارة النفايات المتكاملة في سلطنة عمان (بيئة)، فإن البلاد تنتج أكثر من 1.7 مليون طن من النفايات الصلبة البلدية سنوياً، وتشكل النفايات العضوية جزءاً كبيراً منها.
إن الأثر البيئي لهذه النفايات كبير. فقد أفادت منظمة الأغذية والزراعة بأن إنتاج كيلوغرام واحد من الأرز يتطلب حوالي 2500 لتر من الماء، بينما قد يتطلب إنتاج كيلوغرام واحد من لحم البقر ما يصل إلى 15000 لتر. وعندما يتم التخلص من هذه الأطعمة، تُفقد موارد ثمينة من الماء والأرض والطاقة، وهو ما يمثل مصدر قلق بالغ للدول القاحلة التي تعاني أصلاً من ندرة المياه.
علاوة على ذلك، فإنّ الآثار المناخية ملحّة. فالميثان، الذي ينبعث عند تحلّل النفايات العضوية في مكبّات القمامة، لديه قدرة على إحداث الاحتباس الحراري تفوق قدرة ثاني أكسيد الكربون بأكثر من 80 ضعفًا على مدى 20 عامًا. ونتيجة لذلك، يُعتبر الحدّ من هدر الطعام عالميًا أحد أكثر الاستراتيجيات فعاليةً واقتصاديةً للتخفيف من آثار تغيّر المناخ.
يجسد شهر رمضان قيم الاعتدال والشكر والتعاطف مع المحتاجين. وتنبذ التعاليم الإسلامية الإسراف والتبذير، بما يتماشى مع مبادئ الاستدامة المعاصرة. ومع ذلك، غالباً ما تؤدي التوقعات المجتمعية بشأن الضيافة إلى الإفراط في التحضير، حيث ينتاب المضيفين قلقٌ من عدم تلبية احتياجات ضيوفهم.
بدأت تظهر تغييرات إيجابية تدريجياً. فقد وسّعت الجمعيات الخيرية والمنظمات التطوعية في جميع أنحاء سلطنة عُمان مبادراتها لتوزيع وجبات الطعام خلال شهر رمضان، وإعادة توجيه فائض الطعام إلى العمال ذوي الدخل المحدود والأسر المحتاجة. كما تُتيح ثلاجات الطعام المجتمعية في العديد من الأحياء إمكانية مشاركة فائض الطعام بشكل آمن. وبدأت بعض المطاعم والمقاهي بتحسين خدمات البوفيه، باستخدام صواني تقديم أصغر حجماً يتم تجديدها بانتظام، وتحليل أنماط الاستهلاك، وتنسيق إعادة توزيع الطعام حيثما أمكن.
على مستوى الأسرة، يمكن أن تؤدي تعديلات سلوكية بسيطة إلى تقليل النفايات بشكل ملحوظ. فالتخطيط للوجبات، والتحكم في أحجام الحصص، وإعادة استخدام بقايا الطعام بشكل مبتكر للسحور، والتعاون مع الجيران، كلها أمور تساعد على تقليل النفايات التي يمكن تجنبها.
يمكن لحملات التوعية العامة التي تربط القيم الدينية بالإشراف البيئي أن تعزز بشكل أكبر الفهم بأن الاستدامة مرتبطة جوهرياً بالإيمان.
في إطار سعي سلطنة عُمان لتحقيق أهدافها البيئية ضمن رؤية 2040 ومبادرات الاستدامة الأوسع نطاقاً، بات الحد من النفايات العضوية جزءاً لا يتجزأ من الحوار الوطني حول كفاءة استخدام الموارد، ومواجهة تغير المناخ، والاستهلاك المسؤول. ويُتيح شهر رمضان المبارك، شهر التأمل والانضباط الذاتي، فرصةً فريدةً للتوفيق بين النوايا الروحية والجهود البيئية.
تحليل خاص من عمانت | تصفح سوق عُمان
التزايد هدر الطعام خلال شهر رمضان يمثل ذلك تحدياً وفرصة مزدوجة للشركات في سلطنة عمان. المستثمرون ورجال الأعمال الأذكياء ينبغي النظر في المبادرات التي تتماشى مع الممارسات المستدامة، مثل الشراكات مع الجمعيات الخيرية واستراتيجيات إعادة توزيع الغذاء المبتكرة، والتي يمكن أن تجذب المستهلكين وتقلل من الهدر التشغيلي. علاوة على ذلك، بينما تسعى سلطنة عمان إلى تحقيق رؤية 2040, إن التركيز على الاستدامة من شأنه أن يضع الشركات التي تعطي الأولوية لكفاءة استخدام الموارد والمسؤولية البيئية في وضع إيجابي في سوق تنافسية.
